ابن قتيبة الدينوري

190

تأويل مشكل القرآن

وعلى هذا سائر الحروف . ومن ذهب إلى هذا المذهب فلا أراه أراد أيضا إلا القسم بصفات اللّه ، فجمع بالحروف المقطعة معاني كثيرة من صفاته ، لا إله إلا هو . وروي أن بعض السلف وأحسبه عليا رحمة اللّه عليه ، قال : الرّحم هو من الرّحمن . وقد كان ( قوم من المفسرين ) يفسرون بعض هذه الحروف فيقولون : ( طه ) يا رجل ، و ( يس ) يا إنسان ، و ( نون ) الدّواة . وقال ( آخر ) : ( الحوت ) و ( حم ) : قضي واللّه ما هو كائن ، و ( قاف ) : جبل محيط بالأرض . و ( صاد ) - بكسر الدال - من المصاداة وهي المعارضة . وهذا ما لا نعرض فيه ، لأنا لا ندري كيف هو ولا من أي شيء أخذ خلا ( صاد ) وما ذهب إليه فيها . في سورة سبأ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ [ سبأ : 20 ، 21 ] . تأويله : أن إبليس لما سأل اللّه تبارك وتعالى النّظرة فأنظره قال : لأغوينّهم ولأضلّنّهم ولأمنّينّهم ولآمرنّهم فليبتّكنّ آذان الأنعام ولآمرنّهم فليغيّرنّ خلق اللّه ولأتّخذنّ منهم نصيبا مفروضا وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنا أنّ ما قدّره اللّه فيهم يتمّ ، وإنما قاله ظانا ، فلما اتبعوه وأطاعوه ، صدق ما ظنّه عليهم أي فيهم ، ثم قال اللّه : وما كان تسليطنا إيّاه إلا لنعلم من يؤمن ، أي المؤمنين من الشاكين . وعلم اللّه تعالى نوعان : أحدهما علم ما يكون من إيمان المؤمنين ، وكفر الكافرين ، وذنوب العاصين ، وطاعات المطيعين قبل أن تكون . وهذا علم لا تجب به حجة ولا تقع عليه مثوبة ولا عقوبة . والآخر : علم هذه الأمور ظاهرة موجودة فيحق القول ويقع بوقوعها الجزاء .